محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
9
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
سببه أحسن حالا منه ؛ لأن ذلك ما سلك طريقا ، ثم رجع عنها ، ولا قصد مقصدا ثم انعطف عنه « 1 » ، فافهم ، واعتصم باللّه ، ومن يعتصم باللّه فقد هدى إلى صراط مستقيم . وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد الرضى عن اللّه تعالى فيما هم فيه ، وأن يخرجهم عن مختار اللّه لهم إلى مختارهم لأنفسهم ، وما أدخلك اللّه فيه تولّى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليك ، وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ؛ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] . فالمدخل الصدق : أن تدخل فيه [ بربّك ] ، لا بنفسك ، والمخرج الصدق أيضا كذلك ، فافهم . والذي يرتضيه الحقّ أمنك أن تمكث حيث أقامك ، حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجك كما تولّى إدخالك ، وليس الشأن أن تترك السبب ، بل الشأن أن يتركك السبب . قال بعضهم : « تركت السبب كذا كذا مرة ، فعدت إليه ، ثم تركني السبب ، فلم أعد إليه » . ودخلت على الشيخ - رضي اللّه عنه - وفي نفسي العزم على التجريد قائلا ، في نفسي ، إن الوصول إلى اللّه تعالى على هذه الحال بعيد من الاشتغال بالعلوم الظاهرة ووجود المخالطة للناس ، فقال من غير أن أسأله : صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة ومتصدّر فيها فذاق من هذه الطريقة شيئا ، فجاء إليّ ، فقال يا سيدي أخرج عما أنا فيه وأتفرغ لصحتبك ؟ فقلت له : ليس الشأن ذا ، ولكن امكث فيما أنت فيه وما قسم اللّه لك على أيدينا فهو إليك واصل ، ثم قال الشيخ ونظر إليّ : وهكذا شأن الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجهم فخرجت من عنده ، وقد غسل اللّه تلك الخواطر من قلبي . ووجدت الراحة في التسليم إلى اللّه تعالى ، ولكنهم كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم » « 2 » انتهى كلامه في التنوير في هذا المعنى ، وهو كلام حسن ، وإنما أثبتناه هاهنا على طوله ، لأنه تولّى فيه بيان مسألته التي ذكرها في هذا الكتاب بنفسه بيانا شافيا ، فنقلناه بلفظه ، ووددنا لو أن جميع مسائله تكون هكذا .
--> ( 1 ) انعطف : مال وانحنى وانثنى . ( 2 ) أخرجه البخاري ( دعوات ، 66 ) ، والترمذي ( دعوات ، 129 ) .